أبو ريحان البيروني

18

القانون المسعودي

هذا ، أودّع الدّنيا وأنا عالم بهذه المسألة ، ألا يكون خيرا من أن أخلّيها وأنا جاهل بها ؟ فأعدت ذلك عليه وحفظ وعلّمني ما وعد ، وخرجت من عنده وأنا في الطّريق فسمعت الصّراخ . وأمّا نباهة قدره وجلالة خطره عند الملوك فقد بلغني من حظوته لديهم أنّ شمس المعالي قابوس بن وشمكير أراد أن يستخلصه لصحبته ويرتبطه " 1 " في داره ، على أن تكون له الإمرة " 2 " المطاعة في جميع ما يحويه ملكه ، ويشتمل عليه ملكه ، فأبى عليه ولم يطاوعه ، ولمّا سمحت قرونته " 3 " بمثل ذلك أسكنه في داره " 4 " ، وأنزله معه في قصره . ودخل خوارزمشاه يوما وهو يشرب على ظهر الدّابة فأمر باستدعائه من الحجرة فأبطأ قليلا فتصوّر الأمر على غير صورته ، وثنى العنان نحوه ورام النّزول ، فسبقه أبو الرّيحان إلى البروز وناشده اللّه ألّا يفعل فتمثّل خوارزمشاه : [ المنسرح ] العلم من أشرف الولايات * يأتيه كلّ الورى ولا يأتي ثمّ قال : لولا الرّسوم الدّنياويّة لما استدعيتك ، فالعلم يعلو ولا يعلى . وكأنّه سمع هذا في أخبار المعتضد ، فإنّه كان يوما يطوف في البستان وهو آخذ بيد ثابت بن قرّة الحرّانيّ إذ جذبها دفعة وخلّاها فقال ثابت : ما بدا يا أمير المؤمنين ؟ قال : كانت يدي فوق يدك والعلم يعلو ولا يعلى . ولمّا استبقاه السّلطان الماضي لخاصّة أمره وحوجاء صدره " 5 " كان يفاوضه فيما يسنح لخاطره من أمر السّماء والنّجوم ، فيحكى أنّه ورد عليه رسول من أقصى بلاد التّرك وحدّث بين يديه بما شاهد فيما وراء البحر نحو القطب الشّماليّ " 6 " من دور الشّمس عليه ظاهرة في كلّ دورها فوق الأرض بحيث يبطل اللّيل ، فتسارع على عادته في التّشدّد في الدّين إلى نسبة الرّجل إلى الإلحاد والقرمطة " 7 " على براءة أولئك القوم عن هذه الآفات حتّى قال أبو نصر

--> ( 1 ) أي يحجزه . ( 2 ) الإمرة بالكسر : أي الولاية . ( 3 ) القرونة بالفتح : النفس كالقرون والقرينة والقرين . ( 4 ) كان في هذه الجملة اضطراب كما نبه بهامش الأصل وقد أقمناه . ( 5 ) بهامش الأصل " أي حاجته " . ( 6 ) بالأصل : " الجنوبي " والذي يتفق مع حال الرسول وما كان ميسورا أن يقرب منه إذ ذاك إنما هو القطب الشمالي كما ذكرنا لا الجنوبي . ( 7 ) الإلحاد : الميل عن الدين ، والطعن فيه عقيدة القرامطة .